الشريف الجرجاني
24
الحاشية على الكشاف
ثم دحيت الأرض من تحتها ، فكما أن مكة أم القرى كذلك الفاتحة أم القرآن ، على أن ما ذكرناه وجه التسمية ولا يجب اطراده ( الثاني ) جمع مثنى على صيغة المفعول من التثنية بمعنى مردد ومكرر ، ويجوز أن يكون جمع مثنى مفعل من التثنية بمعنى التكرير والإعادة ، كذا في سورة الزمر ، وقال في سورة الحجر : واحدها مثناة ، ففي بعض النسخ على صيغة المفعول من التثنية كما في الوجه الأول في الزمر ، وفى أكثرها بفتح الميم مفعلة من الثنى كما في الوجه الثاني فيها ، وسميت الآيات السبع التي هي الفاتحة بالمثاني لأنها تثنى في كل ركعة : أي صلاة تسمية للكل باسم الجزء ، وقد صرح بذلك في سورة الحجر وقال : المثاني من التثنية وهى التكرير ، لأن الفاتحة مما يتكرر قراءتها في الصلاة وغيرها ، وهذه العبارة أعني لأنها تثنى في كل ركعة وردت في صحاح الجوهري أيضا ، ولعل فائدة المجاز المبالغة في أن كل صلاة فعلة واحدة كركعة ، وقد تعددت الفاتحة فيها فيتضح تكررها زيادة إيضاح وربما يقال إنها تتكرر في كل ركعة بالقياس إلى أخرى ، ففي الثانية بوقوعها مرة في الأولى ، وفى الأولى عند انضمام الثانية إليها ، ولا يرد على الوجهين التنفل بركعة واحدة إذ ليس من مذهب المصنف ، فإن قلت : هل يمكن لمن جوز التنفل بها أن يعلل التسمية بأنها تثنى في كل ركعة على أحد التأويلين ؟ قلت : نعم على أن يجعل عاما مخصوصا ، فإن تكررها في أكثر الصلوات والركعات كاف في تسميتها بالمثاني ، وأما صلاة الجنازة فلا يرد على أحد في هذه العبارة لأنها لا تسمى ركعة صلا . قال رحمة الله تعالى : والأشبه أن يراد ببيان محل التكرير على معنى أن الفاتحة لها تكرر بحسب الركعة لا بحسب أركانها كالطمأنينة ، ولا بحسب كل ركعتين كالتشهد في الرباعية ، ولا بحسب كل الصلاة كالتسليم ، فإن تعددت الركعة تكررت الفاتحة وإلا فلا ، كأنه قيل لأنها تثنى باعتبار تعدد الركعة ، ويتج عليه أن هذا المعنى وإن كان واضحا في نفسه إلا أن دلالة هذه العبارة عليه في غاية الخفاء كما لا يخفى . الياء في قوله ( بقراءتها ) للسببية : أي قراءتها في الصلاة سبب لفضيلتها على مذهب أبي حنيفة ، وسبب لإجزائها على مذهب الشافعي ، فقد توقفت فضيلة الصلاة أو إجزاؤها عليها توقف المسبب على السبب ، فسميت سورة الصلاة لهذه العلاقة . وقد يتوهم أن يقال لأنها لا تكون فاضلة أو مجزئة إلا بقراءتها فيها لتفيد ما قصده من توقف الفضيلة أو الإجزاء على الفاتحة بيانا للمذهبين . وجوابه : أن التوقف مفهوم من السببية فلا حاجة إلى القصر في العبارة - لا يقال : لعل هناك سببا آخر . لأنا نقول : الأصل عدمه ، وهذا القدر واف بتأدية المقصود في متعارف أهل اللغة . ( قوله من عد أنعمت عليهم ) آية أراد صراط الذين أنعمت عليهم إلا أنه اختصر لظهور أن الصلة دون الموصول والمضاف إليه بدون المضاف لا يعد لأن الكل في حكم كلمة واحدة ( قوله قراء المدينة ) أجمعت الأمة على أن التسمية في سورة النمل بعض آية منها فهي من القرآن قطعا . واختلفوا في التسمية في أوائل السور ، فقال بعضهم : إنها آية من كل سورة وهى من أوائلها مائة وثلاث عشرة آية من القرآن ، وهو سعيد بن جبير والزهري